مجمع البحوث الاسلامية

111

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الثّاني : أنّها لمّا قالت : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قالت : وما أبرّئ نفسي عن الخيانة مطلقا ، فإنّي قد خنته حين قد أحلت الذّنب عليه ، وقلت : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ يوسف : 25 ، وأودعته السّجن ، كأنّها أرادت الاعتذار ممّا كان . فإن قيل : جعل هذا الكلام كلاما ليوسف أولى أم جعله كلاما للمرأة ؟ قلنا : جعله كلاما ليوسف مشكل ، لأنّ قوله : قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ يوسف : 51 ، كلام موصول بعضه ببعض إلى آخره ، فالقول بأنّ بعضه كلام المرأة والبعض كلام يوسف مع تخلّل الفواصل الكثيرة بين القولين وبين المجلسين بعيد . وأيضا جعله كلاما للمرأة مشكل أيضا ، لأنّ قوله : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي كلام لا يحسن صدوره إلّا ممّن احترز عن المعاصي ، ثمّ يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النّفس ، وذلك لا يليق بالمرأة الّتي استفرغت جهدها في المعصية . ( 18 : 156 ) القرطبيّ : قوله تعالى : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي قيل : هو من قول المرأة . وقال القشيريّ : فالظّاهر أنّ قوله : ذلِكَ لِيَعْلَمَ وقوله : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي من قول يوسف . قلت : إذا احتمل أن يكون من قول المرأة ، فالقول به أولى ، حتّى نبرّئ يوسف من حلّ الإزار والسّراويل . وإذا قدّرناه من قول يوسف ، فيكون ممّا خطر بقلبه ، على ما قدّمناه من القول المختار في قوله : وَهَمَّ بِها . قال أبو بكر الأنباريّ : من النّاس من يقول : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ إلى قوله : إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ يوسف : 51 ، 53 ، من كلام امرأة العزيز ، لأنّه متّصل بقولها : أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ يوسف : 51 ، وهذا مذهب الّذين ينفون الهمّ عن يوسف عليه السّلام . فمن بنى على قولهم قال : من قوله : قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ إلى قوله : إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ يوسف : 52 ، 53 ، كلام متّصل بعضه ببعض ، ولا يكون فيه وقف تامّ على حقيقة . ولسنا نختار هذا القول ، ولا نذهب إليه . [ وبعد نقل قول الحسن قال : ] وقيل : هو من قول العزيز ، أي وما أبرّئ نفسي من سوء الظّنّ بيوسف . ( 9 : 209 ) البيضاويّ : أي لا أنزّهها ، تنبيها على أنّه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله ، بل إظهار ما أنعم اللّه عليه من العصمة والتّوفيق . ( 1 : 499 ) أبو حيّان : الظّاهر أنّ هذا من كلام امرأة العزيز ، وهو داخل تحت قوله : ( قالت ) . والمعنى ذلك الإقرار والاعتراف بالحقّ ليعلم يوسف أنّي لم أخنه في غيبته والذّبّ عنه ، وأرميه بذنب هو منه بريء . ثمّ اعتذرت عمّا وقعت فيه ممّا يقع فيه البشر من الشّهوات ، بقولها : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي والنّفوس مائلة إلى الشّهوات أمّارة بالسّوء . ومن ذهب إلى أنّ قوله : ذلِكَ لِيَعْلَمَ إلى آخره من كلام يوسف ، يحتاج إلى تكلّف ربط بينه وبين